الثلاثاء، 24 سبتمبر 2019

تنبيه على تعليق عروضي في «الجليس الصالح الكافي»



كنتُ أبحثُ عن قولِ الشَّاعرِ:
وقَدْ لاحَ في الصُّبْحِ الثُّرَيَّا كما تَرَى * كعُنقُودِ مُـلَّاحِيَّةٍ حِينَ نَوَّرا
فوقفتُ علَى تعليقٍ عروضيٍّ لأبي الفَرَج المعافَى بن زكريَّا النَّهْرَوَانيِّ في كتابه «الجليس الصَّالح الكافي»، فأحببتُ التَّنبيهَ علَى شيءٍ فيه.

قالَ -رحمه الله- (3/ 195):
(وقولُ أبي قَيْس بنِ الأسلتِ: «كعُنقُودِ مُلَّاحِيَّةٍ»:
رُوِيَ لنا في هذا الخبرِ «مُلَّاحِيَّة» بتشديدِ اللَّامِ، ولُغةُ العَربِ الفَصيحةُ السَّائرةُ: «مُلَاحِيَّة»؛ يقولونَ: «عِنَبٌ مُلَاحِيٌّ»، ورُواةُ الحديثِ والأخبارِ الَّذينَ لا عِلْمَ لهم بكلامِ العَرَبِ يَغْلَطونَ في هذا كثيرًا وفي ما أشْبَهَهُ، وأرَى أنَّ الَّذي أوقعَهم في هذا: أنَّهم لَـمَّا رأَوْا هذا البَيْتَ؛ رأَوْا ظُهورَ الزِّحافِ فيه إذا رُوِيَ مُخَفَّفًا علَى الوَجْهِ الصَّحيحِ، وسلامتَه مِن ذلكَ إذا شُدِّدَ، ثُمَّ لم يَعْلَموا جوازَ الزِّحافِ واطِّرادَه وظُهورَ استعمالِه وأنَّ أكثرَ الشِّعْرِ مُزاحَفٌ، وما لا زِحافَ فيه قَليلٌ نَزْرٌ جِدًّا. وهذا البيتُ مِنَ الطَّويلِ الثَّاني، والزِّحافُ فيه ذَهابُ ياءِ «مفاعيلن»، ورَدُّه إلَى «مفاعلن»، ويُسَمَّى هذا النَّوعُ مِنَ الزِّحافِ قَبْضًا؛ لذَهابِ خامسِ حُروف الجُزْءِ، ويُسَمَّى الجُزْءُ الَّذي لَحِقَهُ هذا الزِّحافُ مَقْبوضًا. وقد يُسْقِطونَ نُونَ «مفاعيلن» على مُعاقَبةِ القَبْضِ فيه -وهو ذهاب الياءِ-، ولا يجتمعانِ في السُّقوطِ، ويُسَمَّى هذا الزِّحافُ الكَفَّ؛ لذَهابِ السَّابعِ من حُروف جُزئِه، ويُسَمَّى الجزءُ مكفوفًا) انتهى كلامُه.

ولم يتَّضِحْ لي ما قالَ إلَّا أن يكونَ قد وَهِمَ؛ ذلكَ أنَّ البيتَ لو أُنشِدَ بتخفيفِ لامِ  «مُلاحِيَّة» لكانَ فيه كَسْرٌ ظاهِرٌ، وليسَ بزِحافٍ جائزٍ كما ذَكَرَ.
وهذا تقطيعُه بالتَّخفيفِ:
كَعُنقُو / دِ مُـلَاحِيْـ / ـيَتِنْ حِيـ / ـنَ نَوْوَرَا
فَعُولُنْ / ؟؟؟ / فَعُولُنْ / مَفَاعِلُنْ
فأينَ الجزءُ المقبوضُ الَّذي تحدَّثَ عنه؟
ولم يعلِّقْ مُحقِّقُ الكتابِ د. إحسان عبَّاس علَى هذا بشيءٍ. وقد نقلَ كلامَ أبي الفَرَجِ برُمَّتِهِ ابنُ عساكر في «تاريخ دمشق» (24/ 255)، ولم يتعقَّبْهُ بشيءٍ كذلكَ.
و«مُلَّاحِيّ» -بتَشْديدِ اللَّامِ- لغةٌ قليلةٌ حَكاها أبو حنيفةَ الدِّينَوَرِيُّ، وأنشدَ عليها البيتَ المتقدِّمَ؛ قالَ ابنُ سِيدَه في «المحكم» (3/ 288): (وحكَى أبو حنيفةَ «مُلَّاحِيٌّ»، قالَ: وهي قليلةٌ، وأنشدَ لبعضِ الشُّعراءِ المتقدِّمينَ:
* كعُنقُودِ مُـلَّاحِيَّةٍ حِينَ نَوَّرا *
وقالَ مرَّةً: إنَّما نسَبَه إلى الـمُلَّاحِ في الطَّعْمِ) انتهى.
والله تعالى أعلمُ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق