مسألة: هل تُحذَفُ ألفُ (ابن) بين الاسمِ والكُنيةِ؟
قال ابنُ جنِّي في «سرِّ صناعة الإعراب» (2/ 527، 528):
(فأمَّا ما يذهب إليهِ الكُتَّابُ المحدَثونَ مِن إثباتِ
الألفِ خَطًّا في (ابن) إذا تقدَّمَتْ هناك كُنْيةٌ أو تأخَّرَتْ، وكَتْبهم: رأيتُ
أبا بكر ابن زيدٍ، ومررتُ بجعفر ابن أبي عليٍّ، وكلَّمني أبو محمَّد ابن أبي سعيدٍ،
بألفٍ في (ابن)= فمردودٌ عند العُلَماءِ على قياسِ مذاهبِهم؛ وذلك أنَّ العِلَّة التي
لأجلها تُحذَفُ الألفُ من أوَّلِ (ابن): إنَّما هي اختلاطُه بما قبلَه، واستغناؤهم
عن فَصْلِهِ منه، وابتدائهم به منفردًا عنه؛ فلم تكن به حاجةٌ إلى الألفِ الَّتي إنَّما
دَخَلَتْ للابتداءِ لَـمَّا تعذَّرَ ابتداؤُهم بالسَّاكنِ، وهذه العلَّةُ أيضًا موجودةٌ
مع الكُنْيةِ؛ ألَا ترَى إلى قول الفرزدقِ في أبي عمرو بنِ العلاءِ:
ما زِلتُ أفتحُ أبوابًا وأُغلِقُها * حتَّى أتيتُ أبا عَمْرِو
بنَ عَمَّارِ
وقول الآخَر:
فلم أَجْبُنْ ولَمْ أَنكُلْ ولكنْ * يَمَمْتُ بِها أبَا صَخْرِ
بنَ عَمْرِو
فحَذْفُ التَّنوينِ إنَّما هو لأنَّهم جَعَلوا الاسمينِ كالاسمِ
الواحدِ، وإذا كان الأمْرُ كذلك؛ لَمْ يلزم الابتداءُ بـ(ابن)، فيحتاج إلى الألفِ؛
فسبيلُها إذن أن تُحذَفَ خَطًّا لَـمَّا استُغْنِيَ عنها لفظًا) انتهى.
وقال السيوطيُّ في «همع الهوامع» (6/ 316):
(وتُحْذَفُ همزةُ الوَصْلِ في مواضع) وذَكَرَ مِنها (6/ 318،
319):
(الخامس: من (ابن) الواقع بينَ علَمَيْنِ، صفةً، مُفرَدًا،
سواءً كانا اسمَيْنِ، أم كُنْيَتَيْنِ، أم لَقَبَيْنِ، أم مُختَلِفَيْنِ؛ نحو: هذا
زيد بن عَمرو، هذا أبو بكر بن أبي عبد الله، وهذا بطَّة بن قُفَّة. ويتصوَّر من المختلفَيْنِ
سِتَّةُ أمثلةٍ. وحَكَى أبو الفتح عن متأخِّري الكُتَّاب: أنَّهم لا يحذفونَ الألف
مع الكُنيةِ، تقدَّمَتْ أو تأخَّرَتْ. قال: وهو مردودٌ عند العُلماءِ علَى قياسِ مذهبِهم؛
لأنَّ حذفَ التَّنوينِ معَ المكنَّى كحذفهِ مع الأسماءِ؛ وإنَّما هو لجعلِ الاسمين
اسمًا واحِدًا؛ فحُذِفَتِ الألف؛ لأنَّه توسَّط الكلمة. اهـ.
وقال أبو حيَّان: الألِفُ تُحذَفُ مِنَ الخطِّ في كُلِّ موضعٍ
يُحْذَفُ منه التَّنوينُ، وهو يُحذَفُ مع المكنَّى مثل ما يُحذَفُ مع الأسماءِ الأعلام؛
قال:
فَلَمْ أجبُنْ ولَم أنكل ولكنْ * يَمَمْتُ بها أبا صَخْرِ بْنَ عَمرو ) انتهى.
مسألة:
هل تحذف ألِفُ (ابن) بين علَمين ثانيهما أُمٌّ للأوَّلِ؟
أفاد
جنِّي في «سرِّ صناعة الإعراب» (2/ 529) أنَّ ألفَ (ابن) تحذف في هذا الموضعِ
فقال:
(...
وذلك نحو: زيدِ بنِ عَمْرو، وأبي بكرِ بنِ قاسم، وجعفر بن أبي عليّ، وسعيدِ بن بَطَّةَ،
وخُفافِ بنِ نَدْبةَ، وعَطَّاف بن بَشَّة، ونَصْر بنِ طَوْعةَ، وعبدِ بن حَجْلة، وعِياضِ
بنِ أمِّ شَهْمة، والعُرْيان بن أمِّ سَهْلة، وحُمَيْد بن طاعة، وعبد الله بن الدُّمَيْنَة،
ويزيدَ بنِ ضَبَّة، وربيعةَ بن الذِّيبة، وشبيبِ بن البَرْصاءِ، وغير هؤلاء من الشُّعراء
مِمَّن نُسِبَ إلى أُمِّه. فلمَّا كان (ابن) مُضافًا إلى الأبِ والأمِّ، لا ينفكُّ
من أحدِهما؛ كثر استعماله معهما؛ فحُذِفَتِ الألفُ مِنْ أَوَّلِهِ متى جَرَى وَصْفًا
على العَلَمِ قَبْلَهُ؛ لأنَّه لا يُنْوَى فَصْلُه ممَّا قبلَه؛ إذْ كانت الصِّفةُ
والموصوفُ عندهم مُضارِعةً للصِّلةِ والموصولِ...) انتهى.
مسألة: ما حكمُ ألفِ (ابن) إذا نُوِّن الاسمُ قبلَها؟
قالَ ابنُ جنِّي في «سر الصِّناعة» أيضًا (2/ 530، 531):
(واعلمْ أنَّ الشَّاعِرَ رُبَّما اضطرَّ فأثبتَ التنوينَ
في هذه المواضعِ الَّتي ذَكَرْنَاها؛ لأنَّ ذلك هُوَ الأصل؛ قالَ الشَّاعِر:
جاريةٌ من قيسٍ ابنِ ثَعْلبَهْ * كأنَّها حِلْيةُ سَيْفٍ
مُذْهَبَهْ
وقال الحطيئةُ:
إن لا يكُنْ مالٌ يُثَابُ فإنَّه * سيأتي ثنائي زيدًا
ابنَ مُهَلْهِلِ
ومَن فَعَل ذلكَ؛ لَزِمَهُ إثباتُ الألفِ في (ابن)
خَطًّا. إلَى هذا رأيتُ جميعَ أصحابِنا يذهَبونَ. والَّذي أرَى أنَا: أنَّه لَمْ
يُرِدْ في هذين البيتين -وما جَرَى مجراهما- أن يُجْرِيَ ابنًا وَصْفًا علَى ما
قبلَهُ، ولَوْ أرادَ ذلك؛ لحذَف التَّنوينَ، فقالَ: مِن قيسِ بْنِ ثعلبة، وزيدَ
بْنَ مهلهل؛ ولكنَّ الشَّاعِرَ أرادَ أن يُجْرِيَ ابنًا علَى ما قبلَهُ بدلًا منه،
وإذا كانَ بدلًا منه؛ لَمْ يُجْعَلْ مَعَهُ كالشَّيءِ الواحدِ، وإذا لَمْ يُجْعَلْ
معه كالشَّيءِ الواحدِ؛ وَجَبَ أن يُنوَى انفصالُ (ابن) ممَّا قبلَهُ، وإذا
قُدِّرَ ذلك فيه؛ فقد قامَ بنفسهِ، ووجَبَ أن يُبتدأَ به، فاحتاجَ إذَنْ إلَى
الألفِ؛ لئلَّا يلزمَ الابتداءُ بالسَّاكنِ، وعلَى ذلكَ تقولُ: كلَّمْتُ زَيْدًا
ابْنَ بَكْرٍ؛ كأنَّكَ تقولُ: كلَّمْتُ ابنَ بَكْرٍ، وكأنَّكَ قُلْتَ: كَلَّمْتُ
زيدًا كلَّمْتُ ابنَ بَكْرٍ؛ لأنَّ ذلك شرط البدلِ؛ إذ البدلُ في التَّقديرِ من
جملةٍ ثانيةٍ غير الجُملةِ المبدَلِ منه منها) انتهى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق